ابن الذهبي
359
كتاب الماء
حمى : الحِمْيَة : المَنْع ممّا يضرّ ، كالحِمْيَة من اللّحوم في الأمراض الحارّة ، ومن المغلّظات الباردة في الأمراض الباردة . واعلمْ أنّ الحِمية المعروفة بين النّاس بأنّها الانقطاع عن الطّعام والشّراب ، ليست من صَنعَة الطّبّ في شئ . فليست الحِمْيَة في تجنّب الأغذية ، ولو كانت رديئة ، . ولا أعرف أحدا عَظُم قَدْرُه أو صَغُر ، يصل إلى الإمساك عن غذاءٍ من الأغذية كلّ دهرِه إلّا أنْ يكون يُبْغِضُه ، ولا تَتوق نفسُه إليه . لأنّ الإنسان قد يُمسك عن أكل الشّىء برهة من عمره ، لِعلّة تمنعه ، ثمّ تحدُث له شَهوة تَتجدّد عليه ، فمتى أكل منه ، ولم تكن طبيعتُه قد اعتادته ، نَفَرَ بدنُه عن قَبوله ، وأحدث ذلك فيه ضررا كبيرا ، يوصله إلى المرض . والأصلح للأبدان تَمرينُها برفق على أكل الأغذية ، ما جاد منها وما كان رديئا ، لتعتاد الطّعام الرّدىء احتياطا لما قد يقع ، حتّى تألفها ، فلا تمرض عنها إنْ دخلت إليها بغتة . فإنْ أراد ذلك فلابُدّ أنْ يأكل منها شيئا رديئا واحدا في وقت واحد ، ولا يجمع شيئين رديئين في يوم واحد . فانّ مران الأجسام يُعَطِّل مضارّ الأغذية الرّديئة متى كانت قليلة مُحْتَمَلَةً ، فلمْ تَعُدْ تنفر منها . وقد رأينا الأدوية المسهِّلة إذا أدمنها مُدمن ، وألِفَها بدنُه قلّ فِعلها وتأثيرها . فقد رأينا في المشرق أنّ مقدار نصف درهم من السَّقْمُوْنْيا 147 يُليّن الطّبيعة ، أمّا عند أهل الأندلس فإذا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السّقمونيا مقدار خمسة دراهم ، وقد لا يفعل هذا المقدار ، عند من تَعوَّد على ذلك الدّواء ، شيئا . والحُمَة : سُمُّ كلِّ شئ يلذَع ويلسَع . وقال الخليل : وهي في أفواه العامة إبْرَة العَقرب والزُّنبور 148 . وفي الحديث أنّه ، صلّى الله عليه وسلم ، رَخَّص في الرُّقْيَة من كلّ ذِى